الثلاثاء، 17 مارس 2009

هذه حياتي قصة الكاتبة فاتنة نورس مزيد

روايـــة

هــذ ه حــيــا تــي


قـصـة الـكـاتـبــة :

فـا تـنــة نـو ر س مــز يـــد


طفولة ودموع
فجر الخميس في الثامن من كانون الأول بعد أذان الفجر.. ولدّت, كانت لحظاتِ الأولى مع الحياة.. كانت الأفراحُ مع دموعي الباكية نَفَسِها الأول توزع في كل مكانٍ داخل المنزل.. ضجت روح فاتنة في الحياة وقد خُلقتُ واسمي حاضر فلم يكن ينقص اسمي إلا وجودي, ففي دقات الساعة الخامسة فجراً وجدت.
رغم فاجعة الموت التي أصابت عائلتي, أتى الفرح يوم خُلقت.. لم يكن أحد يعلم سرّ السعادة إلا بعدما كبرت, كانت الأوصاف تتناقل بطفلةٍ جميلة وبصحة جيدة, فمرت أيامي الأولى في هذا العالم وكان الماضي يرسم لمستقبلي طريقاً صعباً حتى الآن, ومنذ ولدت كُتب لي ما أعيشه الآن.
بعد أن مرت السنة الأولى من عمري.. بدأت الأقدارُ السوداءُ تفتحُ أبوابها لي, ففي فجر إحدى الأيام في الصيف كان الاستيقاظُ مبكراً وهممتُ أنا وأخوتي وكلن منا تزيد الثانية عام فكانت أختي الكبرى بعمر ثلاثة سنين والأصغر منها سنتين وأنا في عُمر سنة أخذتنا أختي الكبرى إلى المطبخ لتطعمنا فلم تصل إلى الطعام لكنها وصلت إلى الأدوية كانت تفتحُ كل علب الأدوية من جميع أنواعها وتطعمها لنا وتسقينا المياه حتى نستطيع تناول الأدوية.. مرت النصف ساعة عليّ فرحتُ في غيبوبة بعد أن تناولت عدة حبات من الأدوية فذهبت أختي الكبرى تيقظ والدتي على تلك المصيبة وأنا على الأرض مغمىً عليّ, وأختي الأكبر مني بدأت تتأرجح مع الدوار فكانت الصدمة كبيرة ثلاثة بناتٍ نحنُ تناولنا كمية كبيرة من الأدوية.. فكان أقربُ مكانٍ لنا هو المستشفى.
مضت الساعاتُ الأولى من ذلك اليوم المشئوم فذهب أخي الكبير إلى المستشفى ليعود بخبر وفاتنا أنا وأخوتي, فقد كان عمره ستُ سنواتٍ ويجهل ما معنى أن نكون في غرفة العناية وتلك الأجهزة الغريبة موزعة على جسمنا.
بقينا ليومٍ واحدٍ في المستشفى وكانت حالنا أفضل من لو تأخرت أمي وأبي وعمتي في
إسعافنا للمستشفى.. فقد بقيتُ أياماً قليلة من بعد ذلك اليوم المشئوم غير واعية على ما حدث ولا أذكر أي شيء من ذلك الوقت.
لم أنتهي من أول مصيبةٍ سوداء إلا وأتت مصيبةٌ أخرى.. فكانت طفولتي سرُّ الدموع وأبرز أحداثها كانت غير جميلة, ففي أيام الشتاء وبعد ستة أشهرٍ من المصيبة الأولى كانت أمي تضع الطعام على طاولة الطعام وأنا أراقبها كيف تضعه لتغادر ثم لتعود بصحنٍ آخر وتضعه على الطاولة, ما إن وضعت الصحن وغادرت إلا وأسرعتُ لأضع يدي داخل الصحن فصرختُ صوتً جديداً من الخوف والألم فسارعت أمي إليّ حتى سحبت يدي من داخل الصحن الذي كانت درجة حرارته 70د تقريباً.. وإذ بيديّ اليمين عظاماً وأصابع ولحم الكف اليمنى كلهُ قد بقيّ في صحن الطعام.
بقيتُ لأشهرٍ كثيرة بدوامٍ يومي عند الطبيب ومن حسن حظي أن الحرق لم يبقى منه الآن سوا الخيوط التي جمعت اللحم من كل مكانٍ في كفي.. كانت أنواع الحروق كلها من حظي فحتى الآن بقيت آثارٌ كثيرة من الحروق علي يديّ اليمنى التي لا أكتب فيها إلا نادراً.
استمرت الأيامُ مع طفولتي فلم يبقى لي فيها سوى الذكريات السيئة, وأتذكر أنني كنتُ أبكي على أي شيءٍ لا يعجبني, فما أكثر الدموع في طفولتي وما أكثر لحظاتِ السعيدة مادمتُ داخل المنزل, ولا أرى الغرباء فالأمان هو ما أبحث عنه, أتذكر كُل أيام الدموع في طفولتي فمعظمها كان شعوري بالألم.. فعندما أستيقظُ ليلاً وأمعائي تؤلمني فلا أستطيعُ سوا البكاء بهدوءٍ حتى تسمع بكائي أمي.. لأن الخوف كان يتملكني في بيتنا الكبير وغرفتنا البعيدة عن غرف المنزل فكانت دائماً أمي تشعرُ بأننا استيقظنا أو ربما كانت تصحوا في فتراتٍ متكررة في الليل وتنظر إلينا وكُنتُ وقتها أبكي وأتألم.
لا نهاية للدموع عندي فبطل روايتي كُلُ لحظات الدموع وفرحي وكل ما أتذكر أنني شعرتُ فيه من طفولتي فأنا لا أتذكر من طفولتي شيئاً أبداً وكأنني لم أعشها, أو ر بما الأحداث التي أعيشها لم تبقي ذكرى لطفولتي فهي طفولة شقية.
مدرستي الابتدائية ونجاحاتي
أذكر أنني يوم سجلتُ في المدرسة كُنتُ أرتدي طقماً أحمر وأسود.. كان للون الأحمر أهم لحظات حياتي.. ربما كان لون حظي أو نجاحي, رغم أن اللون الأسود كان لحظاتٍ مليئة بالخوف داخل المدرسة.
بدأتُ في أول الأيام أنظرُ إلى وجه معلمتي المخيف وأتذكر أنني لم أبكي كبقية الأطفال أطلب أمي.. لأن أمي قالت لي أنني بعد الدر سين وكانت تقصد في الفرصة سألتقي بأخوتي لأنهم معي في نفس المدرسة, فكنتُ دائماً عندما أكاد أبكي من وجه معلمتي المخيف أتذكر كلمة أمي.. لا أعلم لما حتى الآن أكره تلك المعلمة ر بما لأنها في أسابيع دوامي الأولى صفعتني على وجهي لأنني كنتُ أُكلمُ فتاةً كانت معي والمعلمة تشرح الدرس فوقتها بكيت جداً وخرجت من الصف عائداً إلى المنزل وأنا أبكي فلم أكن معتادةً على أن يضربني أحد.. وبقيت محفظتي في المدرسة وأنا خرجتُ إلى خارج المدرسة أبحثُ عن طريق المنزل فلم أعرفه فعدت وبقيتُ في حديقة المدرسة أبكي حتى أنني أذكر أن الدم ملأ أنفي والدموعُ كانت قرار غضبي ووعدتُ أنفسي ألا أعود مجدداً إلى المدرسة.
عندما عُدتُ إلى المنزل وأخبرت أبي وأمي أن المعلمة صفعتني ورأوا أن الدم نزل من أنفي خرج أبي وأخذ عمتي إلى منزل المعلمة ومن شدة غضبهما هددوا المعلمة بالفصل من عملها فتدخل وقتها مدير المدرسة ونقلني إلى صفٍ آخر فيه معلمة أخرى.
كانت وقتها الفرصة الذهبية كبداية لي في المدرسة فقد كُنتُ في المقعد الأول أن وطفل كان اسمه: خضر, فقد تعلمت ألا أتكلم في الدرس وأن أبقى أنظر إلى المعلمة وهي تشرح وأصغي جيداً إلى ما تقول فكانت النتائج جداً سريعة ومن أو فصلٍ أصبحتُ من المتفوقين على طلاب صفي وأتذكر وقتها أنني عندما كنتُ أكتبُ الإملاء في الصف الأول توقفتُ عند كلمة ( ميسون ), وبدأت بالبكاء لأنني لم أتذكرها فبقيتُ لوحدي والمعلمة طلبت مني أعادت الكتابة ما تقوله فعندما وصـلنا
إلى كلمة ميسون تذكرتُ عندما كانت أمي تعلمني كيف أحفظ الكلمات حرفاً حرف.. فتذكرتُ كيف تُكتب ميسون وخرجتُ سعيدة بعد أن صلحت لي المعلمة الإملاء وكانت علامتي 10/10فعدت إلى المنزل سعيدة وفي بداية الفصل الجديد أعطتني المعلمة وأذكر أن كان اسمها براءة جلائي ومعه مرحة كبيرة وعلقت لي وسام كان يصنع من شرائط ملونة وتجدل على شكل معين وتوضع على كتف المتفوقين في المدرسة.. كانت بداية ناجحة وموفقة لي وكانت لنجاحات تزيد من حماسي لكل صفٍ قادم حتى انتهت بآخر المرحلة الابتدائية بانتقال للمرحلة الإعدادية.
مدرستي الإعدادية وتراجع دراسي
كانت مرحلة جديدة بالنسبة لي, ثوب جديد وإشارات عسكرية على الكتف بعكس المرحلة الابتدائية فكانت عبارة عن وشاح في كل صف يتلون بلون.. فكانت مرة صعبة فمن المعتاد كان لنا أن نستقبل الدروس من معلم واحد أو اثنين وتفاجأت بأن المرحلة الإعدادية كانت تفرض في كل مادة معلم وهذا ما أربكني ومن حظي أنه تم تغيير عدة مدرسات لأسباب صحية وهذا ما أخرني في التأقلم والانسجام مع معلومات كل معلم أو معلمة فبدأت بالتراجع دراسياً.
لم يكن في المرحلة الإعدادية شيء مميز سوى أن الطلاب في الجامعة أصبحوا معلمين وهذا ما أدى إلى عدم اهتمام المعلمين بالطلاب فبدأ الإهمال في مسؤوليات المعلمين يلاحظ أمامنا كطلاب فما كان عليّ سوا أن أحاول الفهم دون جدوى.
وفي الامتحان الأول كانت مادة الرياضيات صعبة بالنسبة لي كونها مادة لطالب جامعي يدرس ساعات في المدرسة ولا يشر ح بشكل جيد ولا يهتم بالمادة وهدفه كان ماديّ وليس أن يفهم الطلاب عليه أو لأ, وبدأت المعارف تتهاوى عليه أخت صديقه.. ابنة عمه.. ابنة خاله حتى انتهى الامتحان وكانت العلامات لمن يعرفهم والباقي ومنهم أنا ر سبتُ في الرياضيات, أخبرتُ أبي وأمي, فتصرف أبي وأر سل صديق له
يعمل مفتش في وزارة التربية في محافظتنا طلب ورقة امتحاني في مادة الرياضيات من مدير المدرسة وبدأت عملية التفتيش وإعادة التصحيح بعد أن اكتشف المفتش أنني لا أرسب في المادة فبرر المدير أن الطالب فقير وبحاجة للدروس وهو طالب جامعي لم يتثنى له التصليح الجيد فرق قلبهم عليه ولم يكبروا الموضوع وبقيتُ أنا راسبة في الرياضيات فلم يكن عليّ سوا تغيير المدرسة والدراسة في مدرسة إعدادية خاصة.
طعم النجاح
سجلتُ مع بداية العام في مدرسة خاصة منتقلة إلى صف التاسع, كان الدوام جداً سهل بل كان زيارة للمدرسة لا أكثر ولا أقل.. فأكثر ما كان يعجبني أنني أذهب إلى المدرسة بعد الثامنة وأعود قبل الحادية عشرة وكُنتُ أذهب على دراجتي الهوائية التي تولعتُ فيها في تلك المرحلة لأنني تعلمتُ قيادة الدراجة الهوائية في وقت مبكر فأول مرة قدت الدراجة بدون مساعدة كُنت في السادسة من العمر وهذا كان معجزة في أن أقود دون دواليب صغيرة مساعدة, كنت أصل المدرسة قبل الثامنة لم أُكون صداقات كثيرة لأن المدرسة كانت مختلطة "شباب وبنات" فمعظمهم كانوا أكبر مني وأغلبهم كان تاركاً الدراسة لسنوات.. تابعتُ الدوام في المدرسة الخاصة لـ 5 أيام في كل أسبوع ومعظم الأحيان يوم الاثنين يكون عطلة بالإضافة إلى الجمعة فكانت الدروس جداً خفيفة ولا تضم سوا المواد المهمة در ستُ في المدرسة وثابرت حتى نجحت فكان وقت تلقيّ خبر نجاحي مثير.. فقد بدأتُ بالبكاء من السعادة رغم أن مجموعي لم يكن عالياً بسبب عدم تأسيسي جيداً في السنوات السابقة والهيكل المرعب للمعلمات, فكانت لحظة نجاحي لا تُنسى فما أطيب طعم النجاح بعد عناء.
مدرستي الثانوية حُب و تفوق ومرض و رحيل
سجلتُ في الثانوية المهنية التجارية, لأنني كُنتُ أُحب أن أصبح مديرة أعمال عندما أكبُر, في هذه المر حلة كُنتُ أعيشُ في حُب, حُب ممزوج بطعم النجاح الذي شعرت به في المر حلة السابقة وبين حُبي في أن أصل إلى حلمي في إدارة الأعمال.
بدأتُ المرحلة الثانوية بتفوق في المواد التجارية وكُنتُ من الطلاب المميزين في هذه المرحلة ولم تكن أية مسألة محاسبية أو رياضية تصعب عليّ , فكُنتُ دائماً أنسجم مع شرح الدرس وكونتُ أتحايل على الموجه بأنني أرتدي نظارة طبية لأجلس في المقعد الأول أمام المعلمين, فقد اضطررتُ كثيراً أن أرتدي نظار ة أُختي في المدرسة حتى أبقى أنا الطالبة الطويلة في المقعد الأول.. كان الخُبث طبعي للوصول إلى ما أريد فكنتُ أعاندُ شابين يستحلون مكاني لأن المدرسة كانت دائماً حجتي أنني أرتدي نظارة طبية, جلستُ لأسبوع في المقعد الأول حتى انتزعت نظارة أختي فبدأت الأعداء تظهر لي داخل الصف وبدأت غيرة الطلاب المتفوقين من بعض تنشأ حاولتُ ألا أكترث لكن أسهمهم كانت ضدي وكانوا يتهامسون بأن المعلم سيطلب مني أنا أن أحل المسألة وعندما أخرج لحلها تبدأ المعارضات تشتد فيصر المعلم على أن أحل أنا في كل درسٍ المسألة.. بدأت الانتقامات والأنظارُ الشر ير ة تنظر إليّ.. ففكرتُ أن أبتعد عنهم لفترة وأن أغيب لأيام متعددة عن المدرسة وبدأت في وقت الدروس أدرسها لنفسي في المنزل فكان منزلنا هادئ وكلنا ندر س وأختي الكبيرة تدرس على حسابها الخاص ولذالك لم تكن تذهب إلى الجامعة سوا يوم واحد في الأسبوع ما يجعل المنزل كله مهيأ للدراسة, ففي وقات هدوئي وفراغي كُنتُ أنصرفُ لنفسي وأجلسُ على الأرض بين الأسّرة وفي يدي ورقةٌ وقلم أكتب رسالة لمن أُحب وأغير وأمسح في الكلمات ففي المرات الأولى لم ينتبه أحد إليّ فجمعتُ كل ما كتبتهُ وفكر ت لماذا لا أنشره في المجلات.. بدأتُ أُرسلُ كل ما أكتبهُ عن طريق البريد الالكتروني لمجلة الجرس ففي البداية كانت الجرس لا تنشر كل ما أرسله, فكنتُ في كل يومٍ أكتبُ شيئاً جديد أرسلهُ لمن أحبها وهي الراحلة ( سوزان تميم ) عن طريق المجلة ذاتها والمجلة تنشر لي شيئاً فشيئاً, ثم أصبحت تنشر كُل ما أكتبه دون استثناء.
تابعت في الكتابة في المجلة بالإضافة إلى دراستي وتفوقي فيهما فكانتُ في درُس اللغة العربية الوحيدة التي تصغي إلى المعلمة بينما باقي الطلاب يكتبون وظائف الدرس القادم بعد مادة العربي كان الربيعُ في أوله وكانت المعلمة تنظر من نافذة الصف إلى
الحديقة قائلة: أنها تُحب الورد الأصفر الربيعي, لا أدر ي لماذا وقفتُ فجأةً أمام المعلمة أطلب الإذن لأخرج من الصف فلم أجد نفسي سوا عائدة ومع باقة من الورد الذي قالت المعلمة أنها أحبت.. فبدأت أنظار الطلاب إليّ تميل ويتهامسون حتى معلمة العربي؟!.
بعد انتهاء المعلمة من شرح الدرس كنتُ أسألها ماذا يكون اسم الشيء الذي أكتبهُ وينشر لي في المجلات فقالت وقتها: خواطر.. ففي كل درس كُنت أهدي المعلمة شيء مما ينشر لي في المجلة وبدأت تشجعني على الكتابة وبدأتُ أدخلُ شيئاً من خواطري في مواضيع التعبير التي كنتُ أتفوق بها على الجميع فكنتُ الوحيدة في كل درس تقرأ موضوعها بينما الطلاب منشغلون بأحاديثهم التافهة عن فلانة وفلان, فكانت مادة اللغة العربية غير مهمة بالنسبة لنا ولم تستحق سوى 40 علامة فقط!!
رغم ذالك فقد كُنتُ من المتفوقين في هذه المادة بالإضافة إلى المواد الرئيسية التجارية كالمحاسبات.
انتهت السنة الأولى وبدأت كتاباتي تكثر كُنتُ في نهاية كل وقتٍ أُمزقها وأرميها عندما أملُ من كثرة قراءتها, كُنتُ أكتبُ بالسر قبل أن ينشر لي في مجلة الجرس لكن بعد أن نشر لي أول مقال بدأت أمي تشجعني وأبي يزيد من حرصه على أنها أمور تافهة وأن أهتم بدراستي أفضل من الكتابة.
كانت تلك السنة مميزة في جميع أصقاعها لكن بداية السنة التالية كانت من أصعب السنوات في حياتي..
بدأت عوارضُ الأرق والخوف والقلق الدائم يراودني فكانتُ عندما أعود من المدرسة أنام وأستيقظ في عز البرد متضايقة من الحر الذي أشعر فيه, بدأت عوارض المرض تراودني والقلق الدائم يلازمني ودقاتُ قلبي المتسرع دائماً تُغضبني وبدأت حالاتٌ عصبيةٌ من أشياء صغير ة تجعلني أُكسر كل ما يظهر أمامي حتى لو كانت أشياء لا تُكسر كُنتُ أعيش مرحلة من العصبية والبكاء الشديد وعدم التنفس جيداً وأحياناً كُنتُ أسقطُ مغمىً عليّ أو أطلبُ هواءً لأتنفس فكانت مرحلةٌ من الموت
المختنق تعيش معي وفي آخر اللحظات عرف طبيبي أن لدي اضطرابات في الغدة الدرقية وتضخم لدرجة منع الهواء عن المرور إلى الرئتين ثابرتُ على الدواء لمدة طويلة وفي معظم الأحيان كُنتُ أعيشُ أياماً من الأرق والمرض الشديد فذهبتُ إلى طبيبٍ آخر وتفاجأ بحالتي فبدأتُ أجرُ قلمي للكتابة عما يحدث معي عندما أعيش أعراض مرضي.. كانت حالتي تزيد سوءً يوماً بعد يوم.. حتى أتى ذلك اليوم المصيبة..
كُنتُ عائدةً من المدرسة ونظرتُ إلى دفتري أتسأل هل هذا آخر يوم؟ فتفاجأت وسألت؟ أخر يومٍ على ماذا؟ كلمتُ نفسي ماذا بيّ؟ هل جننت؟ ما هي إلا ثوانٍ وسمعتُ صوت عمتي تنادي أبي بصوتها الخائف لم أستطع إلا أن أخرج إلى الشرفة لأرى ماذا حدث فكانت آخر مرةٍ أرى فيها عمي الذي ر كب في سيارة أبي ومضيا إلى المستشفى.
أتذكرهُ عندما أتى وكان يرتدي سترة بيضاء كبيرة نظرتُ إليه متفاجئة لماذا ارتدى هذا اللون؟ لقد كان يقول لي في آخر مرة كلمني:"أدرسي يا عمي ونشا الله ما بتكون آخر مرة بشوفك". ابتسمت وقتاً وأغلقت الباب فلم يطاوعني قلبي إلا وعاودتُ أن فتحته فلم أجده.
بقيتُ إلى جانب جدتي القلة على عمي الذي ذهب إلى المستشفى أحاولُ أن أُنسياها قلقها أسألها عن أولاده الأولى تبلغ الرابعة من العمر والثاني يبلغ السنة والنصف, أين هم هل عادوا من الحضانة؟ كانت خائفةً تحمل سترته قائلة: ترك سترته وقال لي اتركيها عندكِ حتى أعود من المستشفى. كانت تحملُ السترة خائفة تردد: رحل الولد.. رحل الولد.
تأخر الوقت فاتصلنا على جوالهم فأجابوا بأنه بخير بعد دقائق سيعودون. مرت النصف ساعة وإذ بابا المنزل الخارجي يدق بطريقة جنونية ذهبت لأفتح الباب وإذ بعمتي تمسكُ يدها اليسرى باكية مرددة: آخ يا أخي.. آخ يا أخي.. سألتها وأنا أنظر إلى يدها: هل أصابه الشلل في يده؟ فبكيت ودخلت إلى المنزل وتبعتها أسألها لماذا تبكي فقالت وهي تنظر إلى أمي وجدتي: مات.. لم أرى نفسي إلا وأجلس على الأرض أبكي
دون أن أعرف ماذا يعني الموت فكانت أول تجربةٍ لي معه.. فراحت الأصوات تبكي إلى جانبي وتصرخ فما لفتني هي جدتي التي لا تزال تحمل سترته قائلة متلعثمة وقد أخذ لسانها جزءاً كبيراً من الكلمات: لن أترك سترتك ما حييت.
كانت أياماً عصيبة وصعبة, ولم أعش تجربة الموت ولم أحس في غيابه إلا عندما كُنتُ في منزله أنظر إلى أطفاله يسألون متضايقون: لماذا يأتون كُل هؤلاء الناس لبيتنا؟ وأكثر ما قهرني وفضح ما خبأتهُ من دموع أمامهم أنهم وجودوا فرصةً للعب وكانوا يغنون ليلة رحيل والدهم: ليلة عيد؟؟
لم يعلموا عن أي عيدٍ يغنون لكنهم سألوا كثيراً: أين بابا؟ فكان الجوابُ دمعةً وكلمة: في الشغل. فكانت كلماتهم تردد: حتى الآن في الشغل؟.
لا أستطيع أن أكتب ذكرياتِ الحزينة إلا ببعض الدموع التي تتوجها فلكلِ يومٍ كان من نصيبي دمعة.. فكتبتُ الحزن العظيم الذي عاشتهُ عائلتي على شابٍ توفي بأزمة قلبية وأطفالهُ في السنوات الأولى من عمرهم فلم أرى مرةً في أعينهم إلا الحزن والنظرات اليائسة لمن لديه أب.
آخر مقعدٍ دراسي وأول فكرة كتابة
على آخر مقعدٍ دراسي ومع كلمة الله وأكبر كتبتها فها هو آذان الفجر يعلو فوق المئذنة, كُنتُ في الصف الثالث الثانوي التجاري أبدأُ بالدراسة الفعلية والمبارزة النهائية مع زملائي على المراكز الأولى ومن الذي سيكون من نصيبه أن يدخل الجامعة؟
كُنتُ الوحيدة في المرحلة النهائية التي لا تخاف الرسوب بل تخاف أن يكون مجموع علاماتها غير مُرضيّ لها, ولا يحقق لها حلمها في أن تحصل على الفرع الذي تحلم فيه, كان حلمي كالمجد ينير في مقعد دراستي ولم كن هدفي من العلم أن أنتصر على زملائي بقدر ما كان أن أحقق حلمي بأن أسجل إدارة أعمال, فدرستُ حتى أصبحتُ أحلُ المسائل في أحلامي فقد كُنتُ أستيقظ في كُل فجرٍ لأتأكد من
النتيجة التي ظهرت معي في الأحلام كان رأسي دائماً يعمل وكانت الصدمة أيام الامتحان.
ذهبتُ على المادة الأولى مطمئنة أنني لن أخرج بدون العلامة الكاملة للمادة وكنت قد وعدتُ واحدةً من أصدقائي بأن نذهب إلى مكانٍ نأكل البوظة إن خرجتُ من الامتحان بعلامة كاملة, دخلتُ الامتحان وعندما رأيتُ ورقة المسائل ابتسمت لا أعرف لماذا.. ابتسمت لها؟ بدأت الضجة تعم في قاعدة الامتحانات وزميلة لي كانت تجلس في المقعد الخلفي وتبكي وأنا بدأت بحل المسألة فلم يطاوعني ضميري بأن أتركها تبكي لأنها لم تعلم كيف تحل المسألة فقد كان تركيزي معها بأن أفتح لها الورقة جيداً بحيث تأخذ طريقة الحل وأنا أتابع في الحل, وتشتت أفكاري في أن أنقلها وأن أحل المسألة وبدأ الارتباك والخوف والهلع ينتابني فتمنيت لو أنني صرخت على شيءٍ ما لأزيل القليل من الهلع فلم أجدها جيدة في أن أصرخ في قاعدة الامتحانات فبدأ الملل ينتابني من ورقة الأجوبة والغضب من بكاء الزميلة ورائي فما كان عليّ سوا أن انتهيت من حل المسألة وأنا متأكدة أنها ليست كاملة الحل بطريقة صحيحة فخرجت غاضبة ونظرت إلى ساحة المدرسة فوجدها مكاناً رائعاً للصراخ فصرخت أنادي زميلة لي بأن نعود إلى المنزل ودعيتُ على يديّ بالكسر لأنني لم أعر ف أن أركز جيداً على المسألة بسبب الظروف السيئة في الامتحان.
كانت النتائج في باق المواد مرضية وجيدة وقد تأقلمتُ جيداً مع وضع وخطة زميلتي التي تبكي كي تحل جميع الأسئلة عن طريق النقل وليس خوفاً أو عدم تذكر بل عدم حفظ وأسلوب للنقل فكنتُ دائماً أشفق عليها وأعطيها كل معلوماتي التي تعذبتُ فيها شهور كاملة مع لياليها.
أنهيت الامتحان وعدةُ بعد إجازة طويلة للكتابة فلم أجد نفسي سوا أكتب أفكار..؟ أكتب أفكار عن قصص إنسانية وعاطفية؟ ربما وجدت نفسي في هذا المجال أكثر خبرة كوني تعاملتُ مع ناس كثر ومعارفنا أيضاً كُثر فكان من الطبيعي بأن أتأقلم مع أي شيء جديد في حياتي من خلال تجاربي فبدأت أتحاور مع الجميع لآخذ القليل
من شخصية فلا ن وأر كبها على أجمل شيء في شخصية الآخر وصنعتُ شخصية جديدة وبدأتُ أكتبها انتهيت فكرت ماذا أفعل بها..؟ سألتُ نفسي قصة؟ رواية؟ حكاية؟ سيناريو..؟! توقفتُ هنا.
فكرتُ مجدداً..؟ سيناريو مسلسل! أم مسرحية؟ سألت شخصاً مقرب مني قال لي خذي هذه الموسوعة من مسرحيات لشكسبير يمكن أن تفيدك أخذت طريقتها وبدأت بكتابة القصص التي ألفتها على طريقة مسر حية لم أعلم أنها مسرحية بدايةً حتى أنهيتُ ثلاثون قصة وأتى وقت نتائج دراستي.
كان يوماً حافلاً بالقلق والعمل, أذكر أنني ساعدت أمي في تنظيف المنزل تحسباً لقدوم الأقارب في وقت صدور النتائج للتهنئة كُنتُ أعلم جيداً أنني سأنجح لكن ما كان يقلقني هو المجموع لقد حسبتهُ وقدرته بـ 360 علامة بقدر ما كتبت لكنني نسيتُ أنني أقدم شهادة ولست انتقالي فحذفت لنفسي 20 علامة.
وأتت النتيجة.. أمسك الهاتف النقال في يدي أنتظر اتصالا ً من خالي ليخبرني بالنتيجة لأن أعصابي لا تتحمل أن أجلبها أنا عن طريق الانترنيت فكان الاتصال قبل صدور النتائج بـ 10 دقايق؟ أجبت وأنا خائفة فقال لي: مبروك؟ سألته المجموع أكثر من 300 علامة؟ فأجاب: زميلاتك كلن راسبين وأنتِ الوحيدة اللي ناجحة. بدأت بالبكاء لأنني أحسست أن مجموعي أقل من 300 علامة فكان أبي ينظر إلي بسعادة منتظر أن يعلم هو أيضاً بمجموعي.. وأمي بدأت بتقبيلي والمباركة لي.. أخواتي وزعن الخبر على العائلة كلها على الموبايل.. وأنا لازلت أسأل: ما هو مجموعي؟ فأجاب خالي: 282. كانت صدمة لي فقلت: مستحيل؟.
كانت خيبة أملي كبيرة وبدأت بالبكاء لأن حلمي ضاع ولن أسجل أبداً الفرع الذي أحلم فيه.



تحقق حلمي وحلمي الآخر يُحتضر
مر ت أيامُ نجاحي وبدأت فرص التسجيل والمفاضلات تصدر كان حلمي أن أسجل
إدارة أعمال فلم يتثنى لي أن أدرسهُ في التعليم العادي فحقق لي والدي حلمي في تعليمٍ خاص وكما تعودتُ على أبي فلم يبخل مرةً عليّ أو على أخوتي في الدراسة وتحقيق أحلامنا كما نهوى وندرس الفرع الذي نحبهُ حتى و لو كان خاصاً فقد كُنتُ أنا وأختي ندرس جامعات خاصة وكُلٌ منا حققت حلمها بمساعدة والدي.. ولهُ الفضلُ بعد ربي في أن أحقق حلميّ الأول, سجلتُ في الجامعة وبدأتُ أدر س الكتب فوجدتُ المنهاج مكرراً من السنوات الثلاثة الأخيرة في الثانوية فلم يطر أ عليّ جديد سوا بعض المواد المضافة لتثقيل من وزن المواد وزيادة حجمها كالمعتاد في جميع أفرع الجامعات لدينا في وطننا العربي.. بدأتُ أدرسُ بهمة عالية, ور غم ذلك وضعت في بالي كتاباتي التي ختمتها بقصصٍ على شكل سيناريو مسرحي ففكرتُ أن أذهب بها إلى شركات الإنتاج للترويج والتسويق لها فكانت المفاجأة الكبرى عندما ينظرون إلى هذه الكاتبة المعجزة ابنة التسعة عشر عاماً تقدمُ مسلسلا ً؟ فكانت مفاجأة عظيمة لمن يراها نظر المخرج عامر فهد إلى النص الذي أتيت به فقال لي أنه على طريقة مسرحية ودلني كيف أكتبه بطريقة تلفزيونية وعلمني كيف أكتب السيناريو وأتذكر وقتها أنهُ كان على نصٍ لكاتبِ جديد فحفظتُ ما شرحهُ لي وكتبتُ مجدداً المسلسل بطريقة صحيحة وتابعتُ مشواري به إلى شركات الإنتاج فكانت النتائجُ سلبية بأن كيف تأتي هذه الطفلة الشابة وبيدها مسلسل يكتبُ البالغين لتوعية المجتمع بأكمله على قصة ما.. فكانت النتائجُ بأن العمل طفولي وبالتالي عدم قراءته ورفضه.. بقيتُ على هذا الحال سنة كاملة وبين الأيام والشهور كانت السنة تمضي بعجلة وانتظار وترقب وتحطيم حلمي فبدأ الحلمُ يُحتضر.


الاقتراب من الحقيقة وتجربة مريرة مع الموت
بدأتُ أراجعُ نفسي وأسألُ كثيراً ما الخطأُ في عملي حتى ينال الرفض, فلم يكن في بالي أن أكون أنا السبب في عدم اهتمام الشركات المنتجة لعملي كوني صغيرة في السّن وكتبتُ عملاً درامياًً كاملاً دون بداية في مشاركة صغيرة بفقرة أو حلقة.
فاقتربتُ من واقعي ووضعتُ نفسي أمام الشركات فعرفتُ أن السبب شكلي ومظهري
فلم يعر ف أحدهم يوماً أنني أكتبُ من موهبة.. أكتب من قدرة ربي, أكتبُ من وراء حُبٍ يعذبني, أكتبُ وأجر قلمي لمجرد أنني أعيشُ حباً لإنسانٍ بعيدٍ جداً عني.
أصبحتُ أُر سلُ بضعة حلقات عن طريق الشحن وهنا بدأت العثرات.. كان الخطأ هو الإرسال باسم أناسٍ منشغلة في الشركة المنتجة وغير متفرغة لتذهب لاستلام الحلقات بشكل شخصي.. فكانت الحلقات بعد شهرٍ تعود بتلقائية عدم الاستلام فكانت علاقتي تنتهي هنا بعد بعض الإهمال من الشركات وبعض الجهل مني.
توقفتُ عن تسويق عملي الوحيد وتفرغتُ لدراستي التي لم أكن أدرسها جيداً بسبب تشتت أفكاري بين ثلاثة أشياء: الأولى هي موهبتي والمسلسل الذي كتبته, والثانية: هي حُبي المعذب ( سوزان تميم ) وانشغالي عبر الانترنيت باستلام نادي رسمي لها والاتصال المباشر معها أخذ جزءاً كبيراً من الحب وملئ الانشغالُ فيها وقتي.. والثالثُ: هي دراستي التي سجلتها لأنها حُلمي الذي سيتحقق مؤكد.
بعد أن توقفتُ عن تسويق عملي تفرغتُ للدراسة وانقطع الاتصال بيني وبين المطربة سوزان تميم بسبب دراستي وسفرها إلى دولة أخرى.. لم أملك رقماً لها فيها فكان تركيزي كلهُ محصوراً بتتبع أخبارها وملاحقة المجلات بما ينشر عنها عن مشاكلها الشخصية وحياتها العادية وغيابها وقرارات المنع بحقها.. كان أكثر ما يقلقني هو عدم سماع أخبار ها والاشتياق لسماع صوتها, فقد أخذت جزءاً كبيراً جداً من وقت في تلك الفترة الماضية فهي مرحلة ليست عابرة في حياتي ولن تكون لا في الماضي ولا المستقبل إنسانً عادياً بالنسبة لي.. سوزان كانت كُل حياتي وأكثر شيءٍ يسعدني هو سماع أخبار جميلة عنها.
بعد أن انتهيتُ من السنة الأولى الدراسية وفي آخر يومٍ لي قدمتُ فيه الامتحان كُنتُ عائدةً إلى المنزل وكعادتي ور وتيني منذ أن أصل أشغل جهاز الكمبيوتر لأفتح بريدي الإلكتروني وأتابع ما لدي فأكثر ما أذهلني هو وصول آلاف التعازي بوفاة سوزان تميم قتلاً فكانت بدايةُ صدمة لي وسألتُ كُل أفراد عائلتي فلم أجد خبراً يقيناً إلا عندما شاهدتُ التلفاز ورأيتُ جميع المحطات التلفزيونية تنعيها بدأتُ أنهار وبدأ
الجنون يسكنُ دموعي فراح البكاء يصرخ لا يا ربي, كيف تموتُ حُبي ذبحاً, لقد قتلوني قبلها وتذكرتُ أنني في آخر مرةٍ حدثتها قالت لي: أريدُ سلامة قلبك.. لم أعرف أنها كانت تودعني بكلماتها الأخيرة.. ولم أتوقع أن تموت حبيبتي قبلي فكانت رغبتي بالموت كبيرة فحبها كانت كُل حياتي ولأجلها حلمتُ بأن أدرس إدارة أعمال لأكون في يومٍ من الأيام مديرة أعمالها فضاعت الأحلام كلها وماتت معها.. حبيبتي سوزان ماتت والكل حولي يضمني ليهدئني والأرض من شدةِ غضبي أضربها فلم يكن من العدل لربي أن أفقدها.. فمرت أيامُ الحزن طويلة وكان النوم في تلك الليالي مستحيلاً فعشتُ أياماً من الجرح أخبأ صمتي حتى لا يحكيها.. لم تكن سوزان تميم صديقة لي.. ولم تكن كـ أختي.. ولم أحس تجاهها سوى أنها نور الأمل الذي أحيّا لأجله فأنا لأجلها عشت عشرة سنواتٍ أُحبها وموتها كان نهايتي فرحتُ أموتُ يوم ميلادها.
موتي الأول وذكريات حزينة
بعد أن قضيتُ ليلة ميلادها أبكي وأرسلُ لقبرها كلماتي بقيتُ كعادتي لساعات الفجر الأولى أسهرُ مع الدموع التي لم تفارقني طوال السهرةِ, حتى راح الجفون نائماً ولم أستيقظ إلا للساعة الخامسة عصراً من اليوم التالي فلم يكن من غير العادي أن أبقى لهذه الساعة نائمة ولذلك لم ييقظني أحد فالكل اعتاد أن أكون تأخرت حتى انتهيت من كتابة شيءٍ جديد فلذلك استيقظتُ وحدي وأحسستُ أن بدني مُكسر وفي جسدي شيءٌ غير طبيعي.. فشكيتُ آلامي لأمي وكان من الطبيعي أن أستيقظ في كُل يومٍ متشنجة لأنني أعاني والحمد لله أمراضاً عديدة كان أهمها الاضطرابات في الغدة الدرقية ونقص الكالسيوم من الدم.. فلم أتجاوز العشرة دقائق إلا بدأتُ أشعرُ بالدوار هممتُ لأتكلم بأنني لا أستطيع أن أر ى جيداً فرأيتُ أختي تنظر إليّ صارخة: فاتنة... لم أتذكر بعدها أي شيء " لكنني كُنتُ في حُلمٍ جميل وكان يراودني إحساسٌ غريبٌ بالموت فكانت الابتساماتُ تكثر على مرأى أعيني وأكثر لونٍ كان يغطيها هو اللون الأبيض" لم أدرك أن الدموع كانت تسيلُ من أعيني وأن طبيبي المشرف على حالتي كان إلى جانبي وأمي وأبي وكل أخوتي يترقبون ماذا بي.. لقد شعرتُ وقتها بأنني بدأتُ أستيقظ فلم أجد سوى عينيّ لا تكاد تُفتح حتى أجدها مغمضة وكانت الكلمات كلها تقول لي: افتح عينيكِ فلم أتملك سوا إشارة بإصبعي لا أستطيع.. فسمعتُ كلمة الطبيب يقول: أطلبوا الإسعاف. فرفضتُ برفع حاجبي وأشرتُ إلى أن رأسي يؤلمني ولا أشعر بجسدي أبداً فقال الطبيب: إنها حالة نقص كالسيوم الدم المنخفض جداً.
لم أحس إلا في سهرة ذلك اليوم إلا وأنا في غرفة الجلوس على المجلسِ وفي يدي سيرومً وتحت ر أسي وسادت التي أشكي لها دموعي فعندما استيقظتُ كانت المحاولات كثير ة لأبتسم فكانت أختي تقول لي: صديقتكِ رغدة تنتظركِ فاليوم هو ميلادها.. وأختي الأخرى تقول: تفتعلين المرض حتى لا تساعدينا في تنظيف المنزل.
لم أنتبه جيداً من كان بقربي فقد كُنتُ قليلاً ما أستطيع أن أفتح عيني وأسمع ما أتذكره حتى الآن من الكلمات فكان أخي الصغير يقول لي: ابقيّ مريضة حتى آخذ جهازكِ الخلوي لبضعة أيام.. كان مزح معي محاولاً أن أضحك فلم أجد نفسي إلا أبتسم قائلة: أتريد أن ترثني وأنا حيّة؟
مرْ اليوم الأول ولم أرضى أن أنام سوا في فراشي فكان مكان السيروم مستعصياً في غرفة نومي فلم نجد لهُ مكاناً وتحول الجو المريض إلى كوميديا حقيقية.
استيقظتُ في اليوم التالي وقد نهضتُ وأيقظتُ أختي لتساعدني للذهاب إلى الحمام فحاولتُ بمساعدة أختي الأكبر مني بسنة أن أقف لكن سرعان ما فقدتُ وعيّ لثوانٍ" كم كان ذلك الشعور جميلا ً فهو نصف الموت يأخذني فما أجملهُ دون النوم من الحياة لثوانٍ يخطفني" استيقظتُ وأختي تنادي وهي تحملني لأمي فسرعان ما عدتُ إلى وعيّ وكل يومٍ كُنتُ أتحسن عما قبل.
عاودتُ بعد مدة نشاطاتي الكتابية في النثر فكتبتُ 100 قصيدة نثرية وضعتها في كتاب سميتهُ نجوم العمر فقد حمل هذا الكتاب كُل ذكرياتي الحزينة ومعاناتي.. فعندما طبعتُ النسخة التجريبية أحسستُ بأنني أُولدُ مع كُل صفحة جديدة من
مؤلفاتي فكانت كُل قصيدة لي ابنة صغيرة من صلبي وذكرياتي خلقتها.
وبعد مدة عاودتُ نشاطاتي بعد أن أصبح لدي عملين دراميين وبدأت أُسوق لهما ولا يزالُ حلميّ الآخر مستحيل حتى بعدما حققتُ كل ما أر يدهُ لأكون كاتبة من مكتب حتى زملائي في العمل في مكتبي حتى مؤلفاتي وحتى أعمالي الدرامية فعندما كُنتُ أُرسلها إلى الشركات المنتجة كُنتُ أُحسُ بغصة والدموع كادت تنزل عليها ففراقها هو أكثر ما أخشاه ولحظة نجاحي القادم التي أنتظر ها تعزّ عليّ جداً.. فلا تزالُ أُمورها عالقة لكنني في النهاية سأتفاءل لأن أعمالي تستحق أن يبتسم الحظ لها.. فلا واسطةً عندي حتى أظهر كما ظهر من قبلي, ولستُ مضطرةً لأقدم أي تنازلٍ لأجل أن تظهر أعمالي للناس.. فكرامتي أكبر.. وإيماني بربي أكبر.. والله أكبر وربُ العرشِ كريم لم يبخل عليّ بلحظة رضا.. فأنا سلمتُ أمري له وبه أستعين.







النهاية
لو خُيرتُ إلى من أهدي هذه الرواية فسيكون الإهداءُ الأول إلى ربي الذي خلق لي هاتين اليدين التي تكتب وهذا الرأس الذي يفكر بالكلام والإهداء الثاني سيكون إلى أبي نورس مزيد الذي حقق لي كُل أحلامي في الحياة والإهداء الثالث : إلى أُمي منى عابد وأخوتي ( إسماعيل – علياء – ر هام – علي مزيد) لأنهم وقفوا إلى جانبي في كل مر احل كتابتي وكلُهم ساعدني حتى وصلت إلى ما أنا عليه الآن.. والإهداء الأخير : فسيكون لكل من وقف يوماً إلى جانبي في بداية مشواري وأذكر هم لأن لي الشر ف بذكرهم وهم:
خالي: محمد نور – خالي: تمام – خالي: بشار – خالي: صراع -الأستاذ: علي عدرا – الممثل: طلال محفوض – المخرج: عامر فهد – السيدة: ميادة درويش – السيدة: أم علاء محفوض – المخرج زياد الريس.. كما أهديها إلى جميع أقربائي: جدي: إسماعيل مزيد – جدتي: عليا ونوس – جدتي: انتصار إسماعيل خالتي مها عابد وعائلتها – خالتي مريم عابد وعائلتها –عمتي سمية مزيد – عمتي جميلة مزيد وعائلتها – عمتي فاطمة مزيد وعائلتها - عمي صفا مزيد وعائلتها – عمي علي مزيد وعائلته – زوجة عمي فاتن عضيم وأبنائُها – ولكل من قال كلمة : برافو لي من أصدقاء كُثر وأذكر أكثر من لازال في حياتي: رغدة صفوت – منار الخليل.
أتمنى أن يصلهم الإهداء ليعرفوا أنني لن أنسى لهم فضلهم في حياتي وأنني أشكرهم وأحترمهم فهم بتشجيعهم صنعوا الكاتبة: فاتنة نورس مزيد.
رواية:
هذه حياتي
قصة الكاتبة:
فاتنة نورس مزيد